مقالات

لما تقتل الأم وليدها .. و ما وراء السكين

الناشر المصري

بقلم: د. هدير محمود فايد – أخصائي التربية الخاصة والإرشاد الأسري

❖ مقدمة:

لماذا تقتل أم وليدها؟ وهل هي شيطان أم ضحية؟

في إحدى الصحف، تصدّرت صورة لأم تقف مكبّلة الأيدي، وعبارة واحدة كانت تتصدر العناوين:

“أم تقتل أطفالها الثلاثة!”

قرأها البعض بغضب، وعلّقوا: “كيف استطاعت أن تفعل ذلك؟!”

لكن أحدهم سأل بصوت خافت:

“هل كانت هذه الأم بخير؟ أم أن داخلها صرخة لم يسمعها أحد؟”

مأساة الأم التي تقتل أبناءها ليست مجرد قصة مأخوذة من فيلم درامي، بل واقع مؤلم يتكرر بصور مختلفة، ويطرح أسئلة إنسانية ونفسية واجتماعية عميقة.

أولاً: هل هذه ظاهرة؟ أم حوادث فردية؟

على الرغم من أن قتل الأم لأبنائها يُعتبر من أندر الجرائم من حيث التكرار، إلا أن تكراره في عناوين الأخبار حول العالم يثير القلق.

تُظهر بعض الدراسات أن معظم هذه الحالات تحدث خلال السنة الأولى بعد الولادة، وأن النسبة ترتفع بين الأمهات اللاتي يعانين من اضطرابات نفسية غير مُعالجة.

لكن الإعلام غالبًا ما يُبرز الحادثة دون الغوص في أعماق الأسباب، فيتحول النقاش من فهم إنساني إلى محاكمة قاسية.

ثانيًا: الأسباب النفسية وراء جريمة الأمومة

١-اكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum Depression):

بعض الأمهات يعانين من حزن عميق، فقدان للارتباط بالطفل، رغبة في الانعزال أو حتى إيذاء النفس، دون أن يشعر أحد بخطورتهن.

وفي حالاته القصوى، قد يتحول إلى ذهان ما بعد الولادة (Postpartum Psychosis)، وهو اضطراب يجعل الأم تفقد الاتصال بالواقع، وقد تسمع صوتًا يأمرها بإيذاء طفلها، ظنًا منها بأنها “تحميه” أو “تنقذه”.

٢- الاضطرابات العقلية المزمنة:

مثل الفصام أو اضطراب الشخصية الحدية، خاصة في حال غياب العلاج والدعم المناسب.

٣- صدمات نفسية سابقة:

أمهات تعرضن للعنف، التحرش، أو الإهمال الشديد في الطفولة، ولم يحصلن على أي تدخل نفسي يُرمم كسورهن القديمة.

٤- الضغط التربوي والإجهاد العقلي:

أم تعمل ليلًا ونهارًا، لا تنام، لا تجد من يسمعها، تنهار بصمت… حتى تنفجر.

❖ ثالثًا: العوامل الاجتماعية والاقتصادية

الفقر المدقع:

بعض الأمهات لا يجدن قوت يومهن، ولا حليبًا يطعمن به أطفالهن.

في لحظة يأس، قد ترى أن “موتهم أرحم”.

غياب الأب أو الداعم:

كثير من الأمهات يربّين أطفالهن وحدهن، بلا زوج، ولا أسرة، ولا مجتمع يشعر بهن.

وصمة العار:

في حالات الحمل خارج الزواج أو في بيئات محافظة، قد تتحول نظرة المجتمع إلى سيف مسلط، تدفع الأم إلى التخلص من الطفل هربًا من الفضيحة.

الإدمان:

سواء كانت الأم أو الأب يعانيان من الإدمان، فإن البيت يصبح بيئة قابلة للانفجار.

❖ رابعًا: الأثر النفسي على الأم القاتلة

في بعض الحالات، لا تدرك الأم ما فعلته إلا بعد زوال النوبة أو دخولها في علاج.

تعيش بعدها في صراع داخلي مرير، شعور بالذنب القاتل، الندم اللا محدود، وربما رغبة في الموت أو الانتحار.

منهن من تُصاب بـاضطراب ما بعد الصدمة PTSD، ومنهن من تفقد سلامها النفسي والعقلي إلى الأبد.

❖ خامسًا: كيف نمنع تكرار هذه المآسي؟

١-توفير دعم نفسي حقيقي للأمهات بعد الولادة، خصوصًا في الشهور الأولى.

٢-الكشف المبكر عن أي أعراض نفسية، وتثقيف الأمهات بخصوصها قبل الولادة.

٣-توفير خدمات نفسية وإرشادية مجانية في المناطق الفقيرة والريفية.

٤-عدم التهوين من شكاوى الأمهات النفسية، أو الاستخفاف بمشاعرهن.

٥-توعية المجتمع، خصوصًا الرجال، بأن الصحة النفسية للأم ليست رفاهية.

❖ خاتمة إنسانية:

ليست كل من تقتل شيطانًا، وليست كل أم مجرمة.

بعض الجرائم تُرتكب تحت ضغط لا يُحتمل، وألم لا يُوصف.

إذا أردنا أن نحمي الأطفال فعلًا، فعلينا أولًا أن نحتضن الأمهات، ونحميهن من الانهيار.

> “حين تصرخ أم في صمت… فقد يكون إنقاذها إنقاذًا لطفلها من الموت.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى