مقالات

تربيتنا لأبنائنا مرايا لمشاكل لطفولتنا

الناشر المصري

بقلم الدكتورة هدير محمود فايد – أخصائي تربية خاصة وإرشاد أسري 

البداية :

منذ يومين حضرت محاضرة

ا/ دعاء كروسون في مكتبة الإسكندرية، وهناك استوقفتني جملة قالتها بشدة وتأثير:

“مشاكلنا غير المحلولة في الطفولة

تظهر في طريقة تربيتنا لأبنائنا.”

تأملت كثيرًا في هذه العبارة، لأنها حقيقة نعيشها جميعًا.

كم من أب لا يعرف كيف يتحاور

مع ابنه أو حتى مع زوجته، فقط لأنه نشأ

في بيت لا يعرف لغة الحوار،

بل امتلأ بالأوامر والنواهي!

وكم من أم تصرخ في وجه طفلها

لأبسط الأسباب، لأنها في طفولتها

لم تجد من يصغي لها، فقيل لها دائمًا:

“اسكتي… لا تعلّقي… لا تبكي!”

تراكمت الجراح، وكبرت الطفلة…

وكبر الجرح بداخلها، حتى صار يصرخ من خلالها على أبنائها.

الطفولة هي الأساس

الطفولة ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي الجذر الذي تنمو منه

شخصيتنا، وسلوكياتنا، وحتى ردود أفعالنا.

فيها نتعلم الحب، الأمان، القبول… أو العكس تمامًا.

فإن كنا قد نشأنا في بيئة قاسية،

مليئة بالإهمال، أو الضرب،

أو الصراخ، فسنحمل تلك “البرمجة”

معنا حين نُصبح آباءً وأمهات، وقد

نُكرر نفس الأنماط دون وعي.

كيف تظهر آثار الطفولة في تربية أبنائنا؟

1. التقليد اللاواعي:

كثيرًا ما نتصرف مع أطفالنا

بنفس الطريقة التي تربّينا بها، حتى

إن كنا نرفضها. فنصرخ،

أو نستخدم نفس الجمل التي كنا نسمعها

ونحن أطفال، وكأن هناك

“شريطًا قديمًا” يُعاد تشغيله تلقائيًا.

2. رد الفعل العكسي:

في أحيان أخرى، نذهب للاتجاه

المعاكس تمامًا. فمثلًا، من تربى

في بيت صارم قد يقرر أن يمنح

أطفاله حرية زائدة عن الحد، ظنًّا

منه أنه بذلك يُعوّضهم عمّا فاته…

لكنه قد يضرهم دون أن يشعر.

3. الإسقاط النفسي:

قد نُعاقب أطفالنا على تصرفات

بسيطة، ليس لأنهم أخطأوا فعلًا،

بل لأن تصرفاتهم أيقظت

جُرحًا قديمًا بداخلنا لم نُعالجه بعد.

هل من مخرج؟

نعم. والخطوة الأولى هي “الوعي”.

أن ننتبه لأنفسنا، ونعترف بأن

في داخلنا طفلاً جُرح، وما زال يؤثر علينا

حتى الآن. ثم نبدأ في إصلاح أنفسنا بالتدريج:

نُراقب تصرفاتنا.

نقرأ ونتعلم عن التربية السليمة.

نستعين بأهل التخصص إن شعرنا

أن جراحنا أعمق من قدرتنا على المواجهة.

التربية الواعية هي شفاء أيضًا

تربية الأبناء ليست مجرد مسؤولية،

بل هي فرصة حقيقية لشفاء الجراح القديمة.

حين نحتضن أبناءنا، نُصغي إليهم،

ونُعبر لهم عن مشاعرنا، نكون أيضًا

نُصغي للطفل الذي بداخلنا، ونُعيد

له حقه في الحب والاحتواء.

الخلاصة:

طفولتنا لا تُحدد مصيرنا التربوي،

لكنها تُحذرنا من إعادة إنتاج الألم.

وكلما وُلد طفل بين أيدينا،

وُلدت معنا فرصة جديدة لنكون

أفضل، ونُربّي بوعي، ونكسر الدائرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى